الاثنين، 18 يناير 2016

جنون الاختلاف



منذ أيام أتممت قراءة أول رواية في حياتي، وهو حدث – بالنسبة لي – غير عادي لعدم استهوائي للروايات من جانب، ولكثرة محاولاتي السابقة لإتمام قراءة كل رواية تمنيت قراءتها
الرواية في مكتبتي منذ اول فبراير 2006، عشر سنوات كاملة لماذا اخترتها هي بالذات، ولماذا الان، والان فقط، وكيف جذبتني للنهاية، كل هذه الأسئلة لم أكن لأفكر فيها مطلقا ولكنها هاجمتني بشدة حين ابحرت في الفكرة الأساسية للرواية

فقبل الشروع – بالصدفة – في قراءتها ولمدة شهر تقريبا كنت اتناقش مع آخرين في نفس التفاصيل، وندور في نفس الدائرة بنفس السياق، كيف يكون الشخص مختلف؟، وهل يري نفسه مختلف؟، وكيف ينظر الاخرين لاختلافه؟ هل يعتبرونه مختلف فعلا أم مجنون فعلا؟ هل الاختلاف جانب آخر للجنون حتى لو كان اختلافه منتهي العقل؟ هل يظل مختلفا حتى لو كانوا أفضل منه ومجنونا كما يحلو لهم ترجمة اختلافه ام يتخلى عن جزء من مبادئه وقناعاته ليبدو كما الاخرين؟ طبيعي مثلهم، عادي مثلهم.

وفي خضم هذه الأفكار، وتشتتها وتشعبها، أتوجه للمكتبة ذات اليوم، وبهدف قتل الوقت ذات اليوم، واختار ما يقع في يدي – اختيارا عشوائيا – ذات اليوم لأجد ما بيدي يدور في نفس الفلك، يجب على تلك الأسئلة، يناقش نفس الفكرة ذات نفس اليوم


ان القرارات التي تبدو مجنونة وغير طبيعية وتحتاج إلي عشرات التفاسير ومئات التبريرات والتي لن تجد مخلوقا واحدا يغامر يصدقها ويقتنع بها وأن وجدت ربما يظهر لك انه مقتنع على غير ما في نفسه احتراما أو تقديرا أو خوفا أو عدم اكتراث بالأمر كله ، لا يجب ان تغرس فيك نبته الشك اللعينة التي تفقدك ذاتك قبل ان تفقد من حولك ، فجميع مؤلفو السوناتات والقطع الموسيقية ، والرسامين والمخترعين والمغامرين والمكتشفين كانوا في نظر الاخرين مجانين غير كاملي الأهلية ، وربما عانوا العزلة والسخرية والتشريد والسجن والموت فرادى مفلسين وبعد سنوات يصبح انتاجهم يساهم في تحسين الحياة لأولئك الذين اتهموهم بالجنون لكونهم فقط مختلفين عن أي نماذج إنسانة تتكرر . 
   
عجبا .... لأول مرة اري النتائج تختلف عن مقدماتها 

السبت، 2 يناير 2016

غير نفسك



الايام متشابهة إلي حد كبير، رغم ان لا شيء ثابت ، والثابت الوحيد ان كل شىء حولنا يتغير ، بما فيه نحن 

فلا تنتظر ان تتغير الايام للافضل ، فالافضل هو ما يجب ان نتغير إليه نحن ، وان لم نتحرك اليه سيأتي الغد كما مر الامس ،  وما زلنا في حالة تمني أن يأتي افضل 

اذا كنت معتقد ان الايام ستتغير فأنت واهم ، فالايام والشهور والسنين مرآه صادقة لذاتك ، كلما تغيرت أنت للافضل ، تلونت هي بلونك ، وكلما انتظرت ستحصل فقط على ما كنت تريد 

تستطيع ان تحتفل كل يوم ، او تنتظر عام لن يأتي 

الأحد، 6 ديسمبر 2015

دعوة بالياسمين


ربما نختلف كيف نُسعد والحياة معادلة طرفها الثاني لا نمتلكه، تُختصر فيه كل الشرور التي لا تترك داخلنا إلا الدموع  
ربما نختلف كيف نُسعد وكل طريق نسلكه نجده غير ممهد رغم بدايته الأسطورية ولا يبلغ منتهاه
ولكننا يجب ان نتفق على ان السعادة قرار داخلي نحن فقط من يمتلك كلمات مرورها ولا يستطيع ان يحققها لنا شخص ما، مُلك ما، وقت ما، إي ما، أنما تولد في اللحظة التي نستطيع فيها الوقوف بمفردنا نواجه ما نواجه بقلب نابضا
ولكن كيف؟
فسرها المنفلوطي في رواية مجدولين "أطلب السعادة في الحقول والغابات ، والسهول ، والجبال ، والأغراس والأشجار والأوراق والأثمار ، والبحيرات والأنهار ، وفي منظر الشمس طالعةً وغاربة ، والسحب مجتمعة ومتفرقة ، والطير غادية ورائحة ، والنجوم ثابتةُ وسارية ، واطلبها في تعهد حديقتك ، وتخطيط جداولها ، وغرس أغراسها ، وتشذيب أشجارها ، وتنسيق أزهارها ، وفي وقوفك على ضفاف الأنهار ، وصعودك إلى قمم الجبال ، وانحدارك إلى بطون الأودية والوهاد وفي إصغائك في سكون الليل وهدوئه إلى خرير المياه ، وصفير الرياح ، وحفيف الأوراق ففي كل منظر من هذه المناظر ، أو موقف من هذه المواقف ؛ جمال شريف طاهر يستوقف النظر ، ويستلهي الفكر ويستغرق الشعور ، ويحيي ميت النفس والوجدان ، ويملأ فضاء الحياة هناءً ورغداً"
ربما لم تسعدني هذه التركيبة بقدر ما أسعدني طوفان المعاني الذي يتميز به المنفلوطي ، كلمات المنفلوطي ، مداد المنفلوطي، فأنه يجمع عشرات من المعاني الفريدة في عبارة واحدة، يجعلنا نرسم تلك الصور البلاغية في أذهاننا كلوحة زيتية فريدة لا يشعر بها سوانا، فيجلب الينا الربيع بصفائه وعبيره وظله في حِلّة من زهور كل المواسم لنرتديه   
ولا سبيل لتوقعها إلا عندما أري شيء ما، اسمع شيء ما، أقرأ شيء ما، أشعر بشيء ما، يستفزني أمر ما، فينبض قلبي، فأكون
لن يسعدنا الصمت والسكون وكسر اناملنا، وتشويه جدران حياتنا بالمداد
بل عندما نجري من المداد جداول نبض تتفجر عبر السجايا      
إنها الكلمة التي تنبتها الحروف المبهجة، فتجعل ذاكرتنا لا تغادر الربيع ابدا وتصبغ عقولنا وقلوبنا وكل ذرة في كياننا بلونه ورائحته

أنها الحيثيات التي تجعل من سعادتنا قرار، نحن من يحدد ونحن من يحققه فيولد داخلنا ونوهبه لكل من حولنا
نحن من حولك، هب لنا كلماتك تبهجنا وتسعدنا، وفرشاتك ترسم ربيع دائم في الدروب، وموسيقاك لنحلق في السماء الزرقاء على جناح الياسمين

أكتب لنا
 أكتب لنسعد. 

الجمعة، 4 ديسمبر 2015

من كل بستان زهرة

علي مدار اربعة وعشرون ساعة وانا في مدونتي ، اقلب صفحاتها  وانتخب كلماتها  واصطفي معانيها  واتعجب لافكارها واندم على بعض مواضيعها ، حقا أحدثت داخلي تلك الحالة الفريدة التي لا يشعر بها إلا من غاب كثيرا وعاد ، فاقتبست منها بعض مما قلبت واصطفيت وانتخبت وتعجبت وندمت منه لاقدمه في صفجة واحدة ربما تحتويني كما احتوتني عمرا 

يجب أن نتعلم ان لكلمتنا قيمة مهما كانت مطموسة، ولصوتنا قيمة مهما كان ضعيفا، ولفعلنا قيمة مهما كان مقيدا، وإذا لم نعطي لأنفسنا القيمة التي نستحقها، لن يعطينا إياها أحد، بل ربما يستغل موقفنا هذا ليعمل على زيادة الفجوة بين قدراتنا وجهلنا بها

من تدوينة القيمة الحقيقية يوليو 2009


السعادة لست مكافأة مستحقة لمشوار مفعم بالإحباطات والمحاولات الفاشلة، لكنها جزء من هذه الاحباطات والمحاولات، حقيقة لا يوجد وقت للعيش بسعادة أفضل من الآن، فإن لم يكن الآن، فمتى إذن؟ أن حياتنا أقصر من ان نقضيها انتظارا لمشهد النهاية السعيد الذي في الغالب لن يأتي بالطريقة التي ننتظرها.
من تدوينة قلي ايه هي السعادة 2009 


لا تضع حاجزا بينك وبين احساسك بدعوى أنك قادر على السيطرة ، وإلا كان السقوط حتميا
من تدوينة حتمية السقوط 2008

نصادق نهادن نعادي ننصح نخطي نصيب نحاول نندم، كلها افكار مارسناها بشكل او بأخر في يوم واحد، وننساها في اليوم التالي، تشاركنا فيها جميع مداركنا وحواسنا وخبراتنا واتجاهاتنا وتقاليدنا لتصنع سماتنا الشخصية، حتى بتنا في حيرة، هل شخصيتنا مجموع أفكارنا، أم ان افكارنا نتاج شخصيتنا
من تدوينة فكرة 2008


إن لغة التسامح لغة صعبة، لا يعرفها الكثيرون، وربما ايضا لا يعترفون بها، ولكنها اللغة الوحيدة التي -إن تمت إجادتها – تستطيع بناء جسر يعبر بنا إلى حياة هادئة، وانا لا ادعي أنى اجيد هذه اللغة، ولكن يكفيني أنها اللغة الوحيدة التي اتمني تعلمها 
من تدوينة جسر الي الحياة 2013


حين نكون خارج دائرة الضغوط وبكامل هدوئنا لا تؤثر فينا مواقف الإحباط المتعددة، وقتها انتظر منا قرار صائبا ولو كان مؤلما
من تدوينة ضغوط الحياة 2010


ربما فى لحظة واحدة نرفض كل شىء فينا ويرفضا كل من حولنا وتتحول الايام إلى خريف دائم والكلمات سلسلة رائعة من التلفيق و الانفاس الى خناجر مسمومة النصلولا نستطيع البوح بما ينبض حتى نتحاشى نظرات الشفقة او الاتهامات بالجنون من الآخرين او فقدان الثقة فى أنفسنا او بسمات ماكرة شامته من المنافسين او وصلات كذب من المحبين
من تدوينة فلنحاول 2008


نريد أن نستخدم ضمائرنا، نحين نسمع، وحين نصمت، وحين نصغي، وحين نخاطب، وحين ندعو، فلا نخدع ولا نُخدع، ولا تتحول أمام أعيننا حدائق الحيوانات إلى جنة من العشاق، ولا تختلط علينا ملامح الملائكة والقردة
من تدوينه ضباب الحواس 2008


هناك لحظة دائما لا نلاحظها -إذا نبضت -حين نتقمص آخرين، فنتمنى أن نرتدي ثيابهم التي لا تناسبنا لأنهم أبهي، ونتكلم بمنطقهم الذي لا نجيده لأنهم أبلغ، ونري بأعينهم لأنهم أفطن، ونستعير لسانهم لأنهم أصدق وقد يبدو علينا البهاء والبلاغة والفطنة والصدق، ويرى ذلك كل من حولنا، ويبقى سر صغير داخلنا، نعرفه عن أنفسنا ويغيب على كل من حولنا، فنبدو عرايا في بحر من البلاهة وفضاء من الأكاذيب، لا تغطينا أبهي الثياب ولا نصدق ولو استعرنا ملايين الألسنة، ولن ننال احترام نستحقه إذا كنا لا نقتنع به داخلنا
من تدوينة لحظة احترام 2009


فلو خسرنا كل شيء لا نستحق خسارته، لا يبرر هذا خسران أنفسنا، فملابسنا لن تدارينا لو خسرنا أنفسنا ولو كانت باهظة الثمن فمن العار علينا ان نكون أرخص مما نرتدي
من تدوينة كل العار 2009


فالتعبير الصداق لا يتماشي من التجمل ولا يهادن الانحياز ولا يتأقلم مع تسميم الافكار بالغش والخديعة وبناء حقائق وهمية ، فكل هذه الاتجاهات تزول وتتشقق مع اول قراءة سريعة
 من تدوينة التأثير 2013


عندما تريد ان تكون ذو قيمة قرر انك كذلك فينعكس ذلك على تفكيرك وسلوكك وخطابك وعملك فتكون كما قررت ، أو قرر العكس فستحصل على ما كنت تريد
من تدوينة كن جميلا 2009


المثل العليا لا تجف ولا تدبل ، والقيم لا تنهار فقط تتعطل ، أو يصيبها بعض الخلل فلا تعمل بالشكل الذي نريد ، فلكل تجربة ناجحة أم فاشلة درس بليغ.. هذا الدرس قد لا نستوعبه في بادئ الأمر من فرط الفرح أو الحزن ، ولكننا في النهاية وبعد أن نهدأ ، نعيه جيدا
من تدوينة نقطة نور2009 

الجمعة، 12 يونيو 2015

كوكب معقد


بُنيت المجتمعات الإنسانية على شبكة متشابكة ومعقدة من العلاقات، ويحكم هذه العلاقات التعاون او الصراع، عبارة ما زلت احفظها عن ظهر قلب من أيام دراستي رغم مرور سنوات كُثر، كأنها حفرت في ذاكرتي، وسر التعلق بهذه العبارة لا يكمن في عبقريتها أو مثاليتها أو حتى واقعيتها، بل لأنها عبارة تمثل منتهي الفانتازيا في كل حرف من حروفها، ولأني – شخصيا – جعلت منها مقياسا اقيس به أي علاقة على مدار سنوات

أوافق بشدة ان تحتوي الحياة على صراعات، على اعتبار انه نتاج طبيعي لديناميكية الحياة، تنافسا، مقارنته، سباقا، او حتى تشابكا فكل هذا ما هو الا نتاج طبيعي للعلاقات المتشابكة كما قال بارسونز، أو كونه نتيجة لغريزة العدوان كما سماه فرويد أو هو الفطرة البشرية للبعض كما أعتقد لامبروزو، أوافق عليه واراه طبيعيا


ولكن أن يكون استغلالا وابتزازا أو تهديدا وتجريحا او اقتتالا يصبح من البديهي اننا نعيش في كوكب خطا  ، لا اعرف كيف سيستمر الناس على هذه الوتيرة التي أصبحت علاقاتهم المتشابكة معها يتحكم فيها الصراع فقط 

الجمعة، 22 أغسطس 2014

عن الارواح



http://trayagen2.blogspot.com/2014/08/blog-post_54.html

السبت، 24 مايو 2014

أصل الحوار



من دقائق جمعني لقاء في مناسبة سعيدة بين صديقين مشتركين لي لا يعرف كلاهما الاخر،  فهم كل منهما ان يُعرف نفسه للاخر فقال الاول نافع وكان رد الثاني باسما (يااااه دأنت قديم اوي) واردف وانا عطية ، فرد الاول بإبتسامة اعرض ( يا عم دأنت اقدم مني ) فأجابه الثاني ( اللا اللا اللا ال دأنت فاهم لغة بأة 
- دأحنا اللي حاطين القاموس بأة 
- أحنا اللي اشترناه بأة 

حوار بين أثنين يري كل منهما الآخر لاول مرة ، ألفت بينهم مفردات مازحة مريحة ، برغم إمكانية تضادها مع المنطق ، فوجود حوارا .. تواصلا .. تعاملا .. اي احتكاك كان ، يحتمل ألفة وحميمية وحب وتقبل وراحة وتفهم  ، ويحتمل كراهية سريعة ، وتنافرا مثاليا ، وثقل دم متبادل ، واختلاف محتم ، قد يحتمل ذلك وذاك ، ومن يرجح لاتجاه هو طبيعة اللغة بينهم 

تلاعبنا كثيرا بقصد او بدون في تلك المفردات التي نستخدمها بإختراع لمسة تلون الكلمة باطياف التندر لزيادة مقدار الألفة ، والوصول إلى درجة مرضية من رفع الكُلفة ، فنطلق على القصير جدا ( نخلة ) ، والبدين جدا ( فتلة ) ، والأكرت ( شطة ) ، والاجمل ( بطة ) ، المخلص المجتهد في عمله ( حمار شغل ) ، والذي لا يعمل ( برنس أو عمدة ) ، وبتاع التلات ورقات ( أسطى ) ، هذا التضاد بين الكلمة والمعني وفي الحدود التي ترعي القيم ، ولاتصدم البسمة بالكآبة يجعل من الكلمة المنطوقة بلسما يلطف التعامل بين الاطراف ، ولن أدعي أنها تجمل اللغة ، فجمال اللغة في بلاغتها ، ولكنها تزيد من حب التعامل 

أما العبارات الصادمة ، والكلمات القبيحة لا يمكن ان تنتج حوار ، بل تخلق عداء أبدي ، تدور فيه كل ماكينات الكراهية السريعة فيُصنع حقدا لا ينتهي 

فلنبحث بيننا على أبجديات لم تُخترع بعد لا نقبل فيها اسفاف ، ولو كانت ساخرة 

السبت، 5 أكتوبر 2013

الياسمين



اسطورة قديمة 

أفترقا فتركت له الكوكب لتهيم بحزنها بين الكواكب  ، كان يتبعها من كوكب لآخر حتى وصلت الأرض ، فبكت ، ومكان كل دمعة نبتت زهرة بيضاء ، حتى أمتلئت الأرض بالزهور وغادرت المكان ؛ وصل بعدها حبيبها فرأى المكان مُزهرعلم أن حبيبته كانت هنا ؛ عانق زهورها وكلما قبض على زهرة انحنت له  فلونها   ، ويقبض على أخري تنحني له فيلونها حتي صار الزهر كله ملون  وأبت إحداها أن تنحني فظلت بيضاء للابد أنها زهرة الياسمين



لا تنحني ، فصمودك ووقوفك وعدم انحناءك سيحتفظ بالصورة الحقيقة فيك 

الأربعاء، 11 سبتمبر 2013

الثعالب والحمير

من قصص بيدبا في كتاب كليلة ودمنة 

 زَعمُوا أنهُ كانَ أسدُ في أجمةٍ وكان معهُ ابنُ آوَى يأُكل منْ فضَلاتِ  طَعامهِ ، فأصابَ الاسدَ جَرَبٌ وضَعُفَ ضُعفاً شديداً وجُهِدَ فلمْ يَسْتطعِ الصَّيْدَ ، فقالَ لهُ ابْنُ آوى : ما بالُكَ ياسيُّدَ السَّباعِ  . قدْ تَغيَّرَتْ أحوالُكَ؟ قال : هذا اَلجرَبُ الذي قد أجهَدني وليْسَ لهُ دَواءُ إلاَّ قلْبُ حِمارٍ وأذُناهُ . قال ابْن آوى :ما أيْسَرَ هذا ، وقدْ عَرَفْتُ بمكانِ كذاَ حماراً وأنا آتِيك بهِ ، ثمَّ دَلَف إلى الحِمارِ فأتاهُ وسلَّمَ عليْه وقال : مالِي أراكَ مَهْزُولاً ؟ قالَ : مايُطعمُني صاحِبي شيئاً. فقالَ لهُ : كيْفَ تَرْضَى المقامَ معهُ على هذا الحالَ ؟ قال : مالِي حيلةٌ للهرَبِ منه فلسْتُ أتوجهُ إلى جهةٍ إلاَّ أضرَّ بي إنْسانٌ فكدًّني وأجاعني .

قال ابنُ آوَى : فأنا أدُلكَ على مَكانٍ مَعْزُولٍ عنِ النَّاسِ لا يَمُرُّ بهِ إنْسانُ ، خَصِيبِ المَرْعى لم تَرْ عيْنَ مثله خصبا.

قال الحِمارُ : وما يحبسُنا عنه ؟ فانْطلقْ بِنا  إليه. فانْطََلَقَ بهِ نحوَ الأسدِ وتقدَّمَ ابْن آوى ودَخَلَ الْغابةَ على الأسدِ وأخبرَهُ بمكان الحِمار ، فخرَجَ إليهِ وأرادَ أنْ يَثِبَ عليْهِ فلم يَسْتطعْ لِضعْفِه ، و تَخلَّصَ الحِمارُ منهُ فأفلَتَ هَلعاً على وجْهِه. فلمَّا رأى ابْنُ آوى أنَّ الأسدَ لمْ يقْدِرْ على الحِمارِ ، فال : يا سيَّدَ السِّباعِ  أَعجزْتَ إلى هذهِ الغايةِ ؟ فقالَ لهُ : إنْ جِئتَني بهِ مرَّةً أْخرَى فلَنْ يَنْجُوَ منِّي ابداً فمضَى ابْن آوى إلى الحِمارِ فقالَ لهُ : ما الذِي جَرى عليْكَ ، إنَّ الأسد لم يعرفْك ، وقد ظنَّكَ ضبعاً ، اعتادت أن تعتدي على أشباله ، وأن الأسد قد أعلمني أنه لو كان عرفك ، لرَحَّبَ بكَ ، وسمحَ لك أن تشاركه السكن في الغابة ، ترعى وتمرحُ و تذهبُ فيها أنى شئت !  فلمَّا سَمِعَ الحمارُ ذلكَ إطمأن ونَهَقَ وأخَذَ طريقهُ إلى الأسدِ ، فَسَبَقَه ابن آوى  وأعلَمَهُ بمكانهُ وقال له ُ : اسْتعِدَّ لهُ فقدُ خَدَعتُهُ لكَ فلا يُدْركَنَّكَ الضَّعْفُ في هذهِ النَّوْبةِ فإنهُ إنْ أفلَـَتَ  لنْ يَعُودَ مَعي أبداً فجاشَ جأشُ الأسدِ لتَحْريضِ ابنِ آوى لهُ ، وخرَجَ إلى موضِعِ الحِمارِ فلمَّا بَصُرَ به عاجلَهُ بوَثبةٍ افترسهُ بها . ثم قال َ : قد ذَكَرَتِ الأطبَّاءُ أنه لا يؤكلُ إلاَّ بَعْدَ الغُسْل والطُّهُورِ فاحتَفِظْ بهِ حتى أعودَ فآكلَ قلبه وأذُنْيهِ وأتركُ ما سِوَى ذلكَ  قوتاً لكَ . فلمَّا ذَهبَ الأسدُ لِيَغتَسِلَ عَمَدَ ابْنُ آوَى إلى الحِمارِ فأكل قلْبَهُ وأذُنيهِ رَجاء أن يَتَطيَّر الأسدُ منهُ يأكل منهُ فلا يأكل منه شيئاً ً. ثمِّ إنَّ الأسدَ رَجعَ إلى مكانه فقال لاِبن آوَى : أيْنَ قلْبُ الحِمارِ وأذُناهُ ؟ قال ابْن آوى : أوَلمْ تَعْلَمْ أنهُ لوْ كانَ لهُ قلبُ و اذُنانِِ لمْ يَرجعْ اليْكَ بعْدَ ما أفلًتَ و نجَا من الهَلَكِة .


ما أخبث الثعالب ولو كانت وديعة وما اجبن الاسود حين تمرض وتشيخ ، اما الحمير فمنتهي العدل افتراسها لانها لم تستطيع ان تكون شيء آخر