اذكر مع بداية عصر الفضائيات ، خرجت علينا العديد من البرامج الأدبية ، والسياسية ايضا وربما الكوميدية ، بعدد من التوجهات التي تبث فيا نزعة الحيطة والحذر من الغزو الفكري لبلادنا كنتيجة حتمية لعصر الفضائيات الغير خاضعة لرقابة القيم فى المجتمع ، أو التي لا تناسب مجتماعاتنا العربية فى المقام الأول من حيث اتجاهاتها وايديولوجياتها ومعاييرها
هذا الغزو الذي كان متوقع منه ان يخل بالتركيبة الثقافية ، ومستوي ترابط العلاقات الاجتماعية والمورثات من القيم النبيلة التي كنا نباهي بها أنفسنا
وعندما كنا أتناقش مع احدهم فى هذا الموضوع وقتها ، كان لى رأي مخالف تماما لتلك النظرة ، من أن عصر الفضائيات سيساعدنا نحن فى نشر هذه القيم والمبادي الراقية ، واشاعة روح التسامح والحب بكل الاشكال وفى كل المجالات فكرية أو أجتماعية أو حتى ترفيهية كوميدية ، فنحن نملك نفس الأداة ، ونملك القدرة على الاختيار والانتقاء والانتخاب ، ونملك الثقافة والفكر ، ولدينا مشكلات حتمية ، واتجاه رئيسى فى حتمية حل المشكلات الحتمية
وبعد مرور سنوات بسيطة ظهرت الحقيقة المرة ، من انه فعلا هناك غزو فكري ولكن فى الاتجاة المعاكس ليس فى اتجاهنا ، فلا نحن استخدمنا هذه التقنية العالية فى نشر قيم إلا قيم التنافس والاختلاف فى كل المجالات بما فيه المجال الدينى والاخلاقى ، ولا نحن تعلمنا أن نتقن اي رسالة اعلامية ، فلا يوجد للرسالة الاعلامية محتوي مخطط ، ولا يوجد مصمم بروفيشنال لها ، ولا هي تناسب مجتمع الرسالة ، فأخلط الحابل بالنابل
عشرات القنوات الرياضية ، ونفس البضاعة الرديئة سوء من حيث المنافسات أو التحليل ، أو التفسير ، أو حتى المظهر العام
عشرات القنوات السينمائية ، ونفس البضاعة المستهلكة مئات المرات ، تهريج مفتعل - ( ضحك على الذقون ) - الاستخفاف بالمشاهد
عشرات البرامج الحوارية ، القائمة على فكرة التخوين المتبادل ، والخلاف المستمر ، والسب فى المنافس وغير المنافس
حتى البرامج الفكاهية الترويحية ، تقوم على ، إرهاب الفرد المختار للموقف ، أو تخويفه ، أو السخرية منه
كنت اعتقد انه سيكون هناك توجيه ثقافي ، تثبيت قيم جمالية ، محاربة فساد ، حرية رأي ، لكن الوضع القائم مغاير ، فأختذلنا كل القضايا المصيرية فى قنوات الافلام ، وبرامج المسابقات ابتداء من ستار اكاديمي إلى المفتش كرومبو ، ولا حتى استطعنا الدفاع عن حقوقنا ، وابراز قضايانا المصيرية للغرب ، ولا حتى التسويق الجيد لها ، فكل ما استطعنا تسويقيه بضاعة فاسدة من حقهم التخوف من وصولها إليهم
هل هذا كل ما لدينا
أن تأثير هذه السطحية تأثيرها سلبي مليون مرة أكثر من الغزو الفكري الذين تحدثوا عنه قديما ، ان ما نراه على فضائياتنا العربية ابلغ مثال للغزو الفكري القائم على التهمييش ، والتغيب ، والسطحية ، السلبية ، والافتعال ، والابتذال ، فلم نلحظ أى جديد فى اي مجال علمي أو عملي أو فكرى ، كل التجديد انصب فى كيفية استثمار هذه التقنية فى حصد أكبر قدر من المال عن طريق الرسائل القصيرة او المكالمات التليفونية
لكن ما يجعلني ليس مندهشا ، ولا متعجبا أن هذا الاداء هو الاداء المثالي الذى يعبر بصدق كامل عن عقولنا ، فليس من حقنا المطالبة بالافضل ، لان ما نراه هو افضل مالدينا



